الشيخ عبد الغني النابلسي
204
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
والباطن على طبق إرادة المخلوق أو على المكره منه أنه ، أي ذلك الحكم النافذ حكم اللّه تعالى من غير شك أصلا وإن خالف الحكم الإلهي المقرر في الظاهر عند المؤمنين المسمى شرعا محمديا إذ لا ينفذ حكم أصلا إلا للّه تعالى خالق كل شيء في نفس الأمر ، وإن كان ذلك الحكم منسوبا في الظاهر إلى المخلوق ، لأنه مظهر الحاكم الحق لأن الأمر الواقع في العالم سواء كان خيرا أو شرا إنما هو واقع على مقتضى حكم المشيئة الإلهية والإرادة الربانية لا على مقتضى حكم الشرع المحمدي المقرر عند المؤمنين وإن كان تقريره ، أي ذلك الشرع من حكم المشيئة الإلهية أيضا ؛ ولذلك ، أي لكونه من حكم المشيئة الإلهية نفذ تقريره بين المؤمنين به خاصة دون نفوذ مقتضاه في الكل فإن المشيئة الإلهية ليس لها فيه ، أي في الشرع المقرر إلا التقرير ، أي الإثبات والتبيين للمكلفين بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام لا لها العمل بما جاء ذلك الشرع به ، فالمشيئة الإلهية سلطانها عظيم لنفوذها في كل شيء إيجادا وإمدادا ولهذا ، أي لعظم سلطانها جعلها أبو طالب المكي صاحب « قوت القلوب » « 1 » عرش الذات الإلهية ، أي مستولى الذات الإلهية ، فلا تظهر الأسماء الإلهية بآثارها في الملك والملكوت إلا بحسب مقتضاها في الخير والشر لأنها ، أي المشيئة الإلهية لذاتها ، أي لكونها مشيئة تقتضي الحكم ، أي ترجيح أحد طرفي الممكن الإيجاد والإعدام . فلا يقع في الوجود شيء ولا يرتفع من الوجود شيء خارجا عن المشيئة الإلهية أصلا فإن الأمر الإلهي إذا خولف ، أي خالفه مخالف من المكلفين به هنا ، أي في الشرع المقرر بالمسمى معصية من أفعال المكلفين فليس الذي خولف إلا الأمر الإلهي بالواسطة وهي الملائكة والأنبياء عليهم السلام والعلماء الناقلون ذلك عنهم لا الأمر التكويني ، أي الذي به تتكون الأشياء من عدمها ، وهو أمر المشيئة والإرادة كما قال تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل : 40 ] . * * * فما خالف اللّه أحد قطّ في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة ؛ فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة فافهم .
--> ( 1 ) مطبوع في الدار بتحقيقنا .